مبـدأ حيــاة

الرواقيون -

تحمل وكُف نفسك .. مبدأ فلسفي عائد إلى الرواقيون ، الذين ينتمون بأصلهم إلى رواق بمدينة أثينا اليونانية. والذي كانوا قد وضعوه تحت معنى ” تحمل الألم وابتعد عن الشهوات “، حيث كانت الشهوات ( تبعاً لمبدأهم ونظرتهم للحياة ) هي الشر الخالص الذي ينبغي إبادته وأن ينتصر العقل عليه.

هل رسمت لنفسك مبدأً سامياً من قبل ، وقررت أن تسير عليه ما دام العقل هو ميلاد تصرفاتك ؟؟

لقد تمسك الرواقيون بمدأهم تمسكاً وثيقاً ، ولكن هل طبقوه عملياً عند جدية المواقف والأحداث ؟؟ هنا هو السؤال صاحب الإجابة الإيجابية ” نعم “. وكان إبيكتيت دليلاً على هذه الإيجابية ، حيث أنه كان يعمل في خدمة سيد فظ يتلذذ بتعذيب عبيده ، وذات يوم أراد سيده أن يختبر مبلغ صدقه في فلسفته ، فوضع رجله في آلة ولوها ، وما كان من إبيكتيت إلا أن قال له: ” من الأفضل أن تقلع وإلا تسببت في كسر ساقي “، ولكن سيده الضابط واصل التعذيب حتى إنكسرت الساق ، فلم يزد إبيكتيت على أن قال: ” ألم أنبهك إلى أن ساقي ستكسر ، وهاد قد كسرت “. وهنا عاش إبيكتيت بعدها أعرجاً سعيداً لتعلمه أن يكون قانعاً ، والقناعة كنز لا يفنى.

هل القناعة مبدأ في نظرك كما هي في نظري ؟؟ حيث أنه يكفيك العيش قانعاً بما لديك وما حولك من أقدار ، فلا تجحد على نقمة ولا تحسد نعمة لم تقترب منك.

أحياناً أرى أن المجتمع ينقصه المبادئ الجادة ليسير على خير ما يرام ، بينما كانت المبادئ هي الأساس في سير حياة أغلبية البشر القدامى ، الذين إستطاعوا أن يُسيروا خلفهم عدداً كبيراً من البشر الذين يبحثون عن مبدأ يخرجهم من فراغهم.

قد لا يكون حال مجتمعنا الحالي المسمى بـ” الحضاري ” أفضل ، الذي أصبح الفراغ لدى معظم شبابه لا يبحث عن مبدأ يمليه ، بل مفاجأة عظيمة تحمل هؤلاء الشباب من أسفلهم إلى أعالي أعاليهم ! وإلى أن تقع هذه المفاجأة العظيمة على رؤوسهم يأخذون أسهل الطرق وأظرفها على النفس ، لتحريك الجسد القابع بين حوائط ، وربما القلب الساكن بين ضلعين ، فيتخذون الحب مثلاً ، والذي بموجبه لم يسلم أيضاً من دهاليز العقل ، حيث تصبح أساسيات هذا الحب وقواعده أصعب من أن تُحملهم على الإنتظار الطويل ، فيبدأ التحريف تِبعاً لكلمة ” تعديل “، وتنقلب الآية السامية حتى تصبح مَشبعة للهوى ورغبات النفس.

كُل لتعِش .. مبدأ ربما ساد ومازال سائداً في المجتمعات الأبأس حالاً ، كظل أمل يستظل به كل من لا يرغب في يُتم أطفاله أو ذرف دموع أحبة تحت كلمة ” اليأس ” أو عنوان ” قلة حيلة “.

عِش لتأكل .. مبدأ آخر سائد بكل تأكيد في النفوس التي يتغللها فائض كبير من فراغ يمكن التبرع به بلا تردد إذا سنحت الفرصة.

رغم تطابق المبدأين بالكلمتين المكونان منهما ، ورغم إختلاف أنواع البشر ونفوسها وتناقضها في إتخاذ هذين المبدأين ، إلا أن النقطة أو الفكرة المشتركة بينهما لا تكاد تنغمس حد الإختفاء عن العقل ، ” العيش لأجل شيء ما “، وهنا يكون مبدأ العيش هو ما يسعى إليه الجميع .. أو لنقل الأغلب إن شئتم ، حيث يُطلب في المبدأ الأول بالأكل من أجل ” العيش ” ، وفي المبدأ الثاني يُطلب بـ” العيش ” أيضاً وإن كان من أجل الأكل فقط.

تعددت المبادئ والهدف واحد ، مثلما تتعدد الأسباب والموت واحد ، كما قال إبن نباتة السعدي. الهدف الواحد بإبقاء حكمة معلقة بين عينين لتُقرأ كلما رُفع النظر للسير في طرق الحياة الوعرة. السير بلا هدف كمن يسير على كومة من غيوم قد تتلاشى من تحته في يوم صافٍ فيقع حيث ما كان قد إحتسب.

2 تعليقان»

  عمر عاصي wrote @

بداية رائعة وموفقه مع الفلسفة والفكر ..

لقد أعدتني بمدونتك إلى اجمل الروايات التي قرأتها في حياتي بخصوص الفلسفة .. إنها رواية عالم صوفي .. التي نقلت من ايام سقراط وافلاطون إلى ابن رشد إلى ماركس وداروين ..

مع ان القراءة في الفلسفة جميلة إلا ان قراءة الفلسفة خطرة بقدر ما هي جميلة ..

ومقالتك هذه تحوي فلسفة بعينها ، قد تتوافق مع فكر بعض الإسلاميين وقد لا تتوافق !!

فالتحمل مطلوب والكفاف مطلوب ولكن الجهاد مطلوب ..

علينا ان نتوخى الحذر جدا عندما نمر بجانب احد النصوص الفلسفية !!

والسلام

  The Heart wrote @

نعم .. الفلسفة خطيرة ، وتصبح أخطر عندما يتفهمها العقل بطريقة مشوهة ومشوشة .. لذلك لا بد من شرحها بأساليب يسيرة توضح قصد الفلسفة وجمالها ..

شكراً لمرورك الطيب الذي لم يخلو من نصيحة جميلة ..

دمت بكل الخير🙂


أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: